محمد حسين الذهبي
153
التفسير والمفسرون
ويرميهم بالنفاق وغيره ، ولا يرتضى ما جاء عنهم من تفسير ، كأن عقول الصحابة جميعا قد عقمت وضلت إلا عقول أهل البيت ومن والاهم . . . يقرر المؤلف هذا بكل صراحة وجراءة مع حملة ظالمة على صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك حيث يقول ( . . . هذا يا إخواني ما سألتموني من تفسير القرآن ، بما وصل إلينا من أئمتنا المعصومين من البيان ، أتيتكم به مع قلة البضاعة ، وقصور يدي عن هذه الصناعة ، على قدر مقدور ، فإن المأمور معذور ، والميسور لا يترك بالمعسور ، ولا سيما أنى كنت أراه أمرا مهما ؛ وبدونه أوى الخطب مدلهما ، فإن المفسرين وإن أكثروا القول في معاني القرآن ، إلا أنه لم يأت أحد منهم فيه بسلطان ؛ وذلك لأن في القرآن ناسخا ومنسوخا ، ومحكما ومتشابها ، وخاصا وعاما ، ومبينا ومبهما ، ومقطوعا وموصولا ، وفرائض وأحكاما ، وسننا وآدابا ، وحلالا وحراما ، وعزيمة ورخصة ، وظاهرا وباطنا ، وحدا ومطلعا . ولا يعلم تمييز ذلك كله إلا من نزل في بيته ، وذلك هو النبي صلى اللّه عليه وآله وأهل بيته ، فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه ، ولهذا ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ ، وقد جاءت عن أهل البيت صلوات اللّه عليهم في تفسير القرآن وتأويله أخبار كثيرة ، إلا أنها خرجت متفرقة عن أسئلة السائلين ، وعلى أقدار أفهام المخاطبين ، وبموجب إرشادهم إلى مناهج الذين ، وبقيت بعد خبايا في زوايا ، خوفا من الأعداء وتقية من البعداء ، ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر ؛ لأن رواته كانوا في محنة من التقية ، وشدة من الخطر ، وذلك أنه لما جرى في الصحابة ما جرى ، وضل بهم عامة الورى ، أعرض الناس عن الثقلين « 1 » ، وتاهوا في بيداء ضلالاتهم عن النجدين إلا شرذمة من المؤمنين فمكث العامة بذلك سنين ، وعمهوا في غمرتهم حتى حين فآل الحال إلى أن نبذ الكتاب حملته ، وتناساه حفظته ، فكان الكتاب
--> ( 1 ) أراد بالثقلين كتاب اللّه والعترة كما أفصح عن ذلك في أول المقدمة ص 2 .